جلال الدين السيوطي
160
الإتقان في علوم القرآن
قال أبو شامة « 1 » : فإن قلت : فقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) من جملة القرآن الّذي نزل جملة أم لا ؟ فإن لم يكن منه ، فما نزل جملة ؟ وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة ؟ . قلت : له وجهان : أحدهما أن يكون معنى الكلام : إنّا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر ، وقضيناه وقدّرناه في الأزل . والثاني : أنّ لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، أي : ينزله جملة في ليلة القدر . انتهى . الثاني : [ نزوله جملة قبل ظهور نبوته وقيل بعدها ] قال أبو شامة « 2 » أيضا : الظاهر أنّ نزوله جملة إلى السماء الدّنيا قبل ظهور نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : ويحتمل أن يكون بعدها . قلت : الظاهر هو الثاني ، وسياق الآثار السابقة عن ابن عباس صريح فيه . وقال ابن حجر في شرح البخاري « 3 » : قد أخرج أحمد والبيهقيّ في الشّعب ، عن واثلة بن الأسقع : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنزلت التوراة لستّ مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه ، والزّبور لثمان عشرة خلت منه ، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه » . وفي رواية : « وصحف إبراهيم لأول ليلة » « 4 » قال : وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] . ولقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) . فيحتمل أن يكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة ، فأنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أوّل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . قلت : لكن يشكل على هذا : ما اشتهر من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث في شهر ربيع . ويجاب عن هذا : بما ذكروه أنه نبّئ أوّلا بالرؤيا في شهر مولده ، ثم كانت مدّتها ستة أشهر ، ثم أوحي إليه في اليقظة . ذكره البيهقيّ وغيره . نعم يشكل على الحديث السابق : ما أخرجه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن عن أبي قلابة قال : أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان « 5 » .
--> ( 1 ) في المرشد الوجيز ص 27 ، وانظر البرهان 1 / 230 . ( 2 ) في المرشد الوجيز ص 25 . ( 3 ) فتح الباري 9 / 5 . ( 4 ) رواه أحمد في المسند 4 / 107 ، والواحدي في أسباب النزول ص 15 - 16 ، والبيهقي في الشعب 2 / 414 . وسنده حسن إن شاء اللّه تعالى . ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 30191 ) 6 / 144 مرسلا . ( 5 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ، حديث رقم ( 30189 ) 6 / 144 . وهو موقوف على أبي قلابة .